سيد قطب
686
في ظلال القرآن
في ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني . . حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية . . في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية : يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد . . أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت « إخراجا » من صنع اللّه ؛ كتعبير القرآن الدقيق . . وكانت أعجب نشأة ؛ وأغرب إخراج . . فهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و « تخرج » فيها حياة من خلال الكلمات ! ولكن لا عجب . . فهذه الكلمات . . كلمات اللّه . . ومن أراد المجادلة والمماحلة ، فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن « يخرجها » اللّه بكلماته ؛ وقبل أن ينشئها اللّه بقرآنه ؟ إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود « الإنساني » ؟ أين كانت في سجل الحضارة البشرية ؟ أين كانت في التاريخ العالمي ؟ أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ؟ وما ذا كانت تقدم على هذه المائدة ، فيعرف باسمها ويحمل طابعها ؟ لقد « نشأت » هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ؛ ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ؛ وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب اللّه الذي في يدها ، وبمنهجه الذي طبع حياتها . . لا بشيء آخر . . وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها اللّه وعده وهو يقول للعرب : « لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ . . أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ؟ فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ؛ وكان لها دورها في التاريخ ؛ وكان لها « وجود إنساني » ابتداء ، وحضارة عالمية ثانيا . . ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة اللّه هذه على الأمة العربية ؛ ويجحدوا فضل اللّه في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم . . ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم اللّه إياه ؛ وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد . . بل إلى الوجود يوم أخرج اللّه منهم الأمة المسلمة ! نقول . . إن القرآن حين كان « ينشئ » هذه الأمة و « ينشئها » . . ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة ، في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها . . وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد . . وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ؛ في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ؛ وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان ! حين كان القرآن يصنع ذلك كله . . كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح ، ببيان شرط الإيمان وحدّ الإسلام ؛ ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي ، الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ؛ ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس ، لتبين للناس ، وتقودهم إلى اللّه . . نظامها الرباني . . وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي ، قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحدّ الإسلام ! إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ؛ والطريقة التي تتلقى بها ؛ والمنهج الذي